البديل التربوي البديل التربوي
علوم التربية

آخر المواضيع

علوم التربية
مستجدات الوزارة
جاري التحميل ...

المقاربة بالكفايات والوضعيات في المجال التربوي

بناء التعلمات على ضوء المقاربة بالكفايات و الوضعيات

بناء التعلمات على ضوء مقاربة الكفايات و الوضعيات
المقاربة بالكفايات و الوضعيات:
لم تعد البيداغوجيا التقليدية المتمركزة حول تبليغ المعرفة وما يقترن بها من أساليب التطبيع الاجتماعي النموذج الأنسب لمواجهة التحديات الحالية التي فرضتها الحداثة ، لأن المنافسة أصبحت على أشدها بين دول العالم لتحقيق الريادة  التي لم تعد تتناسب طرديا مع ما تملكه المجتمعات من موارد طبيعية . بل بما تملكه من رؤوس أموال بشرية تكون قادرة على ربح رهان المنافسة .

و من المعلوم أن بيداغوجيا الكفايات هي مقاربة تربوية وديداكتيكية جديدة ومعاصرة، تهدف إلى تسليح المتعلم بمجموعة من الكفايات الأساسية لمواجهة الوضعيات الصعبة والمركبة التي يصادفها المتعلم في واقعه الدراسي أوالشخصي أوالموضوعي. ومن ثم، فالكفايات هي بمثابة معارف ومهارات ومواقف وكفايات معرفية وتواصلية ومنهجية وثقافية، يستضمرها المتعلم لحل مجموعة من المشاكل أو الوضعيات – المشكلات بغية التكيف أو التأقلم مع المحيط، أو الاستجابة لمتطلبات سوق الشغل، أو قصد التميز الدراسي والكفائي والحرفي والمهني

تعرف الكفاية على أنها " هدف- مرمى متمركزة حول البلورة الذاتية لقدرة التلميذ على الحل الجيد للمشاكل المرتبطة بمجموعة من الوضعيات، باعتماد معارف مفاهيمية ومنهجية مندمجة وملائمة". ويعرفها فيليب پيرنو بأنها " القدرة على تعبئة مجموعة من الموارد المعرفية بغية مواجهة جملة من الوضعيات بشكل ملائم وفعال". ويرى د. محمد الدريج أن هذه الكفايات " ينظر إليها على أنها إجابات عن وضعيات- مشاكل تتألف منها المواد الدراسية".

بناء التعلمات على ضوء المقاربة بالكفايات


تنبني الكفاية على عناصر أساسية :


القدرات والمهارات؛
الإنجاز أو الأداء؛
الوضعية أو المشكل؛
حل الوضعية بشكل فعال وصائب؛
تقويم الكفاية بطريقة موضوعية.
وهكذا، يبدو لنا أن الكفاية مرتبطة أشد الارتباط بالوضعية/ الإشكال، أي أن الكفاية قائمة على إنجاز المهمات الصعبة وإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل المطروحة في الواقع الموضوعي. إذا، فالعلاقة الموجودة بين الكفاية والوضعية هي علاقة استلزام اختباري وتقييمي وديداكتيكي.

سياق بيداغوجيا الكفايات:

ظهرت بيداغوجيا الكفايات بعد أزمة التشغيل التي كانت تعاني منها، ومازالت تعاني منها دول العالم الثالث؛ لأن المدرسة لم تعد وظيفية تساهم في التنمية الشاملة، وتحقق المستقبل السعيد للمتعلمين وخريجي الجامعات الذين يتزايدون سنة بعد سنة. وقد ساهمت هذه المدرسة غير الوظيفية في ازدياد أفواج العاطلين بشكل خطير. لذا، فكرت الدول أن تربط المدرسة بالمحيط وسوق الشغل، عن طريق تأهيل المتعلمين تأهيلا وظيفيا، وتكوينهم تكوينا كفائيا، بتسليحهم بمجموعة من القدرات والكفايات المهارية والمعرفية والمنهجية والأدائية لمواجهة تحديات الواقع الموضوعي. بمعنى آخر، تزويد المتعلمين أو الخريجين بكفايات ضرورية وأساسية، يحتاجونها أثناء مواجهتهم لوضعيات جديدة أو صعبة أو مركبة أو معقدة أو متنوعة، بغية التكيف مع الواقع الموضوعي، سيما واقع الشغل أو العمل.

الوضعية والسياق في بيداغوجيا الكفايات:

في معجم أكسفورد الإنجليزي نجد أن الوضعية تعني " معظم الظروف والأشياء التي تقع في وقت خاص وفي مكان خاص"، وتقترن الوضعية بدلالة أخرى وهي السياق الذي هو" عبارة عن وضعية يقع فيها شيء، وتساعدك بالتالي على فهمه".
أما معجم روبير فيرى أن الوضعية هي " أن تكون في مكان أو حالة حيث يوجه الشيء أو يتموقع" أي أن الوضعية هي التموقع المكاني أو الحالي في مكان أو وضع ما، بينما يحدد السياق في هذا المعجم على أنه " مجموعة من الظروف التي تحيط بالحدث".
وتعرف الوضعية في مجال التربية والديداكتيك بأنها " وضعية ملموسة تصف، في الوقت نفسه، الإطار الأكثر واقعية، والمهمة التي يواجه التلميذ من أجل تشغيل المعارف المفاهيمية والمنهجية الضرورية، لبلورة الكفاية والبرهنة عليها". أي أن الوضعية واقعية ملموسة يواجهها التلميذ بقدراته ومهاراته وكفاءاته عن طريق حلها.
لا يمكن فهم الوضعيات إلا إذا وضعناها في سياقها الاجتماعي والتاريخي، وهو نفس سياق بيداغوجية الكفايات، إذ استلزم التطور العلمي والتكنولوجي المعاصر منذ منتصف القرن العشرين توفير أطر مدربة أحسن تدريب لتشغيل الآلة بكل أنماطها؛ مما دفع بالمجتمع الغربي ليعيد النظر في المدرسة وطبيعتها ووظيفتها وذلك بربطها بالواقع والحياة وسوق الشغل لمحاربة البطالة والفشل المدرسي واللامساواة الاجتماعية. ويعني هذا ربط المدرسة بالمقاولة والحياة المهنية والعولمة والقدرة التنافسية المحمومة. أي على المدرسة أن تنفتح على الواقع والمجتمع لتغييرهما وإمدادهما بالأطر المدربة والكفئة والمتميزة، فلا قيمة للمعارف والمحتويات الدراسية إذا لم تقترن بما هو وظيفي ومهني وتقني وحرفي. إذا، كل هذه العوامل هي التي كانت وراء عقلنة المناهج التربوية وجعلها فعالة ناجعة ذات مردودية تأطيرية وإبداعية.
وقد حاولت دول العالم الثالث ، بما فيها الدول العربية ( تونس والمغرب وسلطنة عمان مثلا)، أن تتمثل هذا النموذج التربوي القائم على بيداغوجية الكفايات والوضعيات لمسايرة المستجدات العالمية ومتطلبات السوق اللبرالية وتفادي البطالة والثورات الاجتماعية وظاهرة الهجرة بكل أنواعها، وحاولت تبيئتها في مدارسها لخلق الجودة والعقلانية وتحصيل المردودية الفعالة. وبذلك أصبحت التربية تابعة للسياسة الاقتصادية للدولة وظروفها الاجتماعية والتمويلية.
إن الوضعيات مجموعة من الأطر والمؤشرات والظروف السياقية التي تحدد المشكلات والعوائق والصعوبات التي تواجه التلميذ المتسلح بمجموعة من المعارف والقدرات والكفايات الوظيفية قصد حلها والحصول على إجابات وافية وصحيحة للبرهنة على صدق هذه الكفايات والقدرات المكتسبة عبر مجموعة من التعلمات المدرسية المنجزة مسبقا.

خصائص الوضعية - المشكل:

حسب ASTOLFI   :
ينبغي أن تحدد الوضعية عائقا ينبغي حله؛
أن تكون الوضعية حقيقية ملموسة وواقعية تفرض على التلميذ صياغة فرضيات وتخمينات؛
تشبه هذه الوضعية لغزا حقيقيا ينبغي حله و مواجهته بالقدرات المكتسبة؛
تكون ذات خصوصية تحدد مجال فعل الكفاية؛
توصف بلغة واضحة ومفهومة من قبل التلميذ؛
تتطلب الوضعية معارف وقدرات ومهارات تساهم في تكوين الكفاية في شتى مستوياتها المعرفية والحركية والوجدانية؛
تتشابه مع وضعية حقيقية يمكن أن تواجه الأفراد خارج المدرسة، ضمن الحياة المهنية أو الحياة الخاصة؛
يعد للتلميذ مشكلا حقيقيا لا يكون فيه الحل بديهيا؛
تشكل الوضعية فرصة يثري فيها التلميذ خبراته؛
تحدد الوضعية وفق المستوى المعرفي للتلميذ.

العلاقات التفاعلية بين المدرس والمتعلم والمعرفة:

ينبني التفاعل الديداكتيكي على عناصر ثلاثة هي: المدرس والمتعلم والمعرفة. ومن ثم، إذا كانت التربية التقليدية تركز على المدرس والمعرفة، إذ تجعل من المدرس مالكا للمعرفة المطلقة. ومن ثم، تغيب المتعلم على مستوى التواصل التفاعلي، وتجعله كائنا سلبيا يتلقى المعلومات فقط، دون مناقشتها أو محاورة صاحبها. ويعني هذا أن المتعلم ذات متلقية تحشى بالمعلومات والمعارف. في حين، تتميز بيداغوجيا الكفايات الجديدة بالتركيز على التفاعل الإيجابي بين أقطاب ثلاثة: المعلم، والمتعلم، والمعرفة.
وعليه، تتحول المعرفة في البيداغوجيا الكفائية إلى وضعيات إجرائية تطبيقية في شكل مشاكل معقدة ومركبة تستوجب الحلول الناجعة. ومن ثم، تنطلق هذه المعرفة من المقررات والمحتويات والمضامين في ضوء مجموعة من الكفايات الأساسية عبر وضعيات- مشكلات. ويعني هذا أن المعرفة مرتبطة بالكفاية والوضعية.
أما المدرس فتتمثل مهمته التربوية في تحضير الوضعيات التي تجعل المتعلم يستضمر قدراته الذاتية لمواجهة هذه الوضعيات المركبة والمعقدة. وعلاوة على ذلك، فالمدرس له أهداف ثلاثة: فهو يساعد المتعلم على تحديد المشكلة أو موضوع الوضعية، ثم يوجهه إلى الموارد التي ينبغي استثمارها في حل هذه المشكلة، ثم يساعده على تنظيم موارده بكيفية لائقة وهادفة. ويعني هذا أن دور المدرس توجيهي وإرشادي ومنهجي وكفائي وتحفيزي ليس إلا. ومن هنا، لم تعد المعرفة ملكا للمدرس، بل هي من مكتسبات المتعلم. أي: أضحت المعرفة مجموعة من الموارد التي يمتلكها المتعلم، وتتكون هذه المعرفة من مهارات، ومعارف، ومواقف، وإنجازات، وكفايات معرفية وثقافية ومنهجية. ومن ثم، فالكفاية هي مجموعة من المعارف المختلفة التي يستعملها المتعلم، ويحركها حين يواجه موقفا أو وضعية سياقية جديدة.
أما المتعلم فهو البطل الحقيقي في سيرورة التعلم، إذ يساعده المدرس على حل الوضعيات السياقية المتدرجة في البساطة والتعقيد، مع توظيف قدر ممكن من مكتسباته الكفائية والمنهجية، واستعمال موارده بطريقة لائقة وهادفة. بمعنى أن كفاياته معرفية ووجدانية وحسية حركية. ويعني هذا أن هذه البيداغوجيا تنمي الفكر المهاري لدى المتعلم، وتقوي إدراكاته المنهجية والتواصلية. في حين، يهتم التدريس السلوكي بتعليم شرطي آلي محدود. ومن ثم، فهو تعليم قياسي وكمي. بينما تساعد البيداغوجيا الكفائية المتعلم على البحث المنهجي اعتمادا على الذات، وحل المشاكل المستعصية، ومواجهة الظروف الصعبة والمعقدة، والتأهب دائما للاعتماد على النفس لحل جميع المشاكل المختلفة التي يواجهها في محيطه الخارجي. ويعني هذا أن هذه البيداغوجيا طريقة دينامكية تساعد على اكتساب الفكر المهاري والتعلم المنهجي للوصول إلى هدف ناجع.

المراجع :
د. محمد الدريج: الكفايات في التعليم، المعرفة للجميع، أكتوبر 2000،
بيير ديشي: تخطيط الدرس لتنمية الكفايات،
حسن بوتكلاي:( مفهوم الكفايات وبناؤها عند فيليب پيرنو)، الكفايات في التدريس بين التنظير والممارسة.
.Oxford advanced learner’s, Dictionary Oxford university press 2000 ; p : 1109 
- Astolfi, j, p : « Placer les élèves en situation – problème ? », dans Probio revue, 16, 4, .Bruxelles 

تـــــــابع ايــضا :

عن الكاتب

البديل التربوي

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

البديل التربوي